قلم نجيب محفوظ
من أجمل الأشياء التي أعتز بها قلم ’’ شيفرز ‘‘ من الطراز القديم كان لنجيب محفوظ وأهداه لي رجل كان قد احتفظ به لأكثر من 40 عاماً .
ورغم ما لدي من متعلقات كثيرة لأديبنا الأكبر تتنوع ما بين الأوراق الخاصة وبعض الكتابات والمتعلقات الشخصية إلا أن هذا القلم لي في نفسي مكانة خاصة لما ارتبط به من قصة إنسانية نبيلة تعبر خير تعبير عن الشخصية المعطاءة لذلك الروائي العظيم الذي رحل عنا قبل أكثر من سنتين .
فقد روي لي صاحب القلم أنه قابل نجيب محفوظ سائراً على قدميه في أحد شوارع القاهرة فوقف يحييه وحين وجد استجابة من الأديب الكبير لتحيته تشجع وشكا له همه .
كان هذا الشاب قد خرج لتوه من اعتقال سياسي هدم حياته وقضى على موهبة أدبية في نفسه كانت في بداية تفتحها فلم يواسه نجيب محفوظ ولا طيب خاطره لكنه اكتفى بدعوته لحضور لقائه الأسبوعي بكازينو قصر النيل المطل على نيل الجزيرة وقال له سأكون في انتظارك فلا تتخلف.
وذهب الشاب إلى اللقاء الذي كان كثيراً ما يقرأ عنه في الصحف ويسمع عما يجري فيه من أصدقائه في الأوساط الثقافية فوجد نفسه جالساً بين عمالقة الأدب والفكر من الدكتور لويس عوض إلى ثروت أباظة والمخرج توفيق صالح وغيرهم ممن جلس يستمع إلى أحاديثهم دون أن ينطق بكلمة وفي نهاية اللقاء مد يده لنجيب محفوظ يشكره على هذه الدعوة التي أثرت خياله وفتحت مداركه فقال له محفوظ موعدنا الأسبوع القادم إن شاء الله .
وكذا واظب الشاب على حضور جلسات الأديب الكبير أسبوعاً وراء أسبوع حتى وجد نفسه يعود مرة أخرى إلى الاهتمام بالأدب والثقافة والفكر بعد أن كانت لا تسيطر على عقله إلا مشاعر الإحباط والأفكار العدمية التي خرج بها من السجن وبعد عدة أسابيع بدأ يشارك ـ على استحياء ـ في الحديث وفي نهاية هذه اللقاءات قال له محفوظ : إنك لم تأتني حتى الآن بأي شيء كتبته! فقال له الشاب : لقد بدأت الأفكار الأدبية تداعبني مرة أخرى لكن صدقني لو قلت لك إنني لا أملك حتى ثمن القلم والورق لأكتب ما أريد! وهنا أخرج محفوظ من جيبه قلم ’’ شيفرز ‘‘ أعطاه له قائلاً : هذا هو قلمي لتكتب به ثم أعطاه 20 جنيهاً قائلاً : وهذا ثمن الورق أما النشر فاتركه لي .
وهكذا نجح الرجل بفضل تشجيع نجيب محفوظ أن يعود إلى الكتابة كما ساعده أيضاً في نشر قصة قصيرة كتبها بقلم محفوظ .
واختتم الرجل روايته الإنسانية المؤثرة قائلاً لي : الآن اسمح لي بمكافأتك باسم كل محبي نجيب محفوظ على ما قمت به لهذا الرجل العظيم بإهدائك قلمه الذي ظللت أحتفظ به سنوات طويلة .
واليوم يرقد هذا القلم الأسود ذو الغطاء الذهبي وسط مجموعة من المتعلقات المتحفية الخاصة بأديبنا الأكبر نجيب محفوظ في خزانة عرض خاصة بالمبنى التاريخي لاتحاد الكتاب بقلعة صلاح الدين جنباً إلى جنب مع كلمته في احتفالات نوبل بخط يده والعصا التي كان يتكئ عليها .
محمد سلماوي
رئيس اتحاد كتاب مصر
مجلة الدوحة
العدد 22 أغسطس 2009 |