العريش ـ من أحمد فضل شبلول
تتواصل فعاليات مؤتمر "الكاتب العربي وحوار الثقافات" الذي يعقده الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب بالعريش، تزامنا مع اجتماع المكتب الدائم الذي يستضيفه في هذه الدورة اتحاد كتاب مصر بالتعاون مع جامعة سيناء.
وقد عقدت الأحد جلستان علميتان الأولى في الصباح، وكانت حول الكاتب العربي وعلاقته بالثقافات العالمية، والثانية في المساء وكانت عن الكاتب العربي والتنوع الثقافي ـ رؤية مستقبلية.
رأس الجلسة الأولى د. حسين جمعة (رئيس اتحاد الكتاب العرب بسوريا) وتحدثت فيها الكاتبة الإماراتية باسمة يونس فذكرت أننا على علاقة غير سوية أس أبالغرب، أو علاقة متأزمة، أو أن هناك أزمة بيننا وبينه، والأسباب متعددة.
وقالت إن الكاتب العربي قارئ للثقافة الغربية بنهم، ولكن هم لا يعرفون عنا الكثير، وتساءلت: ما هي الأسباب؟ هل هي سياسية؟ وذكرت أن هناك شعورا لدى الغرب بأنه يجب أن يكون العربي مُستعمَرا وتحت سيطرة الغرب دائما، وإذا خرج عن ذلك يصبح إرهابيا.
وأشارت باسمة يونس إلى أن انتشار الإعلام العربي ضعيف جدا، بل سيء.
وذكرت أنه قبل مجيئها إلى العريش وجهت إليها محاذير وأن تلك المشاركة في المؤتمر مخاطرة لا داعي لها، وفي رأيها أن هذا يدخل في مجال الإعلام السيئ.
وأشارت إلى أن الغرب من المعروف أنه يسيء إلى الكاتب العربي، ولكن غير المفهوم أن يسيء العربي إلى العربي.
أما عن الترجمة فقد ذكرت الكاتبة أنهم يترجمون من الأعمال العربية ما يريدونه هم، أو ما يمكن أن يسيء إلينا ويفرض صورة نمطية مشوهة عنا. لذا ففي رأيها أنه لا داعي لترجمتهم هم، وإنما نحن الذين نترجم ما نريد إيصاله للغرب.
ودعت الكاتبة الإماراتية باسمة يونس إلى تجربة دعوة الكتاب العالميين إلينا، وضربت مثلا بما حدث في الإمارات من دعوة الكاتب البرازيلي باولو كويلو.
وأشارت إلى أنه ليس لدينا صناعة مثقف أو صناعة كاتب في الدول العربية، مثل صناعة نجوم الفن أو صناعة رجال الأعمال. كما أشارت إلى أنه لا يوجد ترويج جيد لمعارض الكتب واللقاءات الثقافية المختلفة.
وفي النهاية تذكر باسمة يونس أننا نريد علاقة ثقافية جيدة مع الغرب بدون عداء، "فنحن فعلا لدينا الرغبة في التواصل معه عن طريق دعوة رموزه الثقافية والفكرية أن تأتي إلينا ليتم تغيير الصورة المأخوذة عنا."
***
تحدث بعد ذلك الكاتب اللبناني د. ساسين عساف عن الكاتب العربي والثقافة الأجنبية، وتساءل: هل هي علاقة تبعية، أم علاقة تحرر وحوار؟
وتحدث عن ثقافة المواجهة التي تفيد في تأسيس المشروع الثقافي العربي، وأنه لم يبق سوى ثقافة المقاومة في مواجهة السيطرة الأميركية على الوطن العربي.
وأشار إلى أنه لابد من إعادة تأسيس للأنا والآخر.
وذكر أن "الغرب ليس واحدا، فهناك من هم في الغرب يؤيدون مواقفنا، وهناك مثقفون غربيون دعوا إلى مقاطعة إسرائيل."
وقال عساف "إن تفاعلات الشعوب غير خاضعة للتحكم السياسي لكل المسارات، وليس كل الغرب يعتبر الإسلام عدوا له."
ويخلص ساسين عساف في ورقته إلى أن "اقتحام الأفكار يفتح المجال الثقافي بين العرب والغرب على غير أطروحة ومنهج، وقد ينتهي إلى خلاصات فكرية مشتركة تعيد العلاقة بين الطرفين إلى نصابها التاريخ الصحيح والمطلوب.
وأن ثمة إمكان بالرغم من كل التشوهات اللاحقة بها، لوجود فضاء ثقافي مشترك تتحرك فيه العقول وتجادل بعلم وموضوعية ورغبة في إعادة تأسيس معرفي سليم بالآخر."
***
الكاتب السوداني د. مصطفى عوض الله بشارة تحدث عن علاقة الكاتب العربي بالثقافة العالمية في مجال الرواية والقصة القصيرة، وذكر مؤثرات الثقافة الفرنسية على رواية "زينب" للدكتور محمد حسين هيكل، باعتبارها أول رواية عربية اقتدى فيها مؤلفها بالمناهج الفنية المتبعة في كتابة الرواية الأوروبية بمقوماتها وقواعدها السردية والتصويرية للشخوص والمواقف والأحداث.
كما قارن أدبيا بين "أحلام" نجيب محفوظ وبروست وشكسبير، وتأثير جوزيف كونراد على رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للروائي السوداني الطيب صالح. وتأثير إليوت على الشاعر السوداني محمد عبدالحي. وتأثر الشاعر السوداني عمر عبدالله يوسف بالشاعر اليوناني أرستوفان.
كما تحدث عوض الله بشارة عن تأثير غاندي وإقبال وجوته في شعر محمود حسن إسماعيل ومبارك المغربي ومحمد أبوالفضل بدران ومحمد فرحات الشلطامي.
***
أما الكاتب اليمني صالح باعامر فقد تحدث عن التنوع الثقافي الذي يثري الحوار، وذكر أن هناك مهمة كبيرة تقع على عاتق الكاتب العربي، ولابد من مشاركة مؤسسات المجتمع المدني مع بقية المؤسسات في حوار الثقافات، وأن على الكاتب العربي أن يمتلك الأدوات التي يمتلكها الآخر لإجراء الحوار معه.
***
وتحدث الكاتب المصري أحمد رشاد حسانين تحت عنوان "الإسلام والغرب نحو حوار خلاق" وذكر أنه لابد من تحرير الروح الشرقية من عقدة الخوف.
وأشار إلى شروط وعوامل الحوار الجاد، وما يتعين على كل من المسلمين والغرب فعله واتخاذه من إجراءات، وأن هناك أهدافا منها: عقائدي وسياسي واقتصادي وأخلاقي.
ويختم ورقته بقوله "إن التسامح يعد شكلا وأرضية مواتية للهدنة العقلية التي تجعل من السهل الوصول إلى حد بعيد في التأكيد على الميراث الإبراهيمي المشترك لكل من الديانات السماوية، والتسامح الديني بالنسبة للمسلم أمر من أمور الدين المهمة، ومبدأ من مبادئ الإيمان."
***
الجلسة المسائية تحدث فيها د. حامد أبو أحمد عن رؤية المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد للاستشراق وذكرنا بعبارته الشهيرة التي افتتح بها كتابه "القلم والسيف" الذي ترجم إلى العربية بعنوان "صورة المثقف".
في هذه العبارة يقول سعيد "أنا مع الحوار بين الثقافات والتعايش بين الشعوب. إن كل ما كتبت عنه أو ناضلت من أجله يشير إلى هذا بوصفه هدفا أساسيا، لكني أعتقد أن العدالة الحقيقية والمبادئ الحقيقية يجب أن تطبق قبل البدء بأي حوار حقيقي."
وقد أشار أبو أحمد في ورقته غير مرة إلى أهمية هذا الكتاب لأدوارد سعيد، واقترح إنشاء مركز لمتابعة المؤلفات الاستشراقية التي لم يترجم منها إلا القليل، وقد وصل عددها كما أشار سعيد في كتابه إلى أكثر من 160 ألف كتاب.
***
الكاتب الكويتي عقيل يوسف عيدان تحدث عن المثقف العربي الذي نحتاجه للمستقبل، وألقى نظرة في البداية على صورة المثقف العربي الحالي الذي غالبا ما وقع في "الوهم" الذي صور له مكانة أعلى من المجتمع، وفاعلية قيادية رائدة، يبدو أنه لم يكن مؤهلا لها، وأنه طوال الوقت كان يقفز في الفراغ.
وذكر أن المثقف كائن مهموم بالأسئلة ووظيفته نقدية لتحقيق قيم جديدة وحضارية في المجتمع. وهذا النوع من المثقفين أقل بكثير من نسبة أولئك الذين كنا نسميهم بالمثقفين قبل عقود قليلة؟
***
الكاتبة المصرية د. عبير سلامة تحدثت عن الاستخدام العربي لبرمجيات التواصل، وذكرت أن العالم أصبح مساحة صغيرة تضم جهاز كمبيوتر متصل بشبكة الإنترنت، وهذا يعطي فرصا جديدة للإبداع وفرصا كبيرة للحوار.
وأشارت إلى أشكال التواصل عبر الإنترنت وأهدافها وأدواتها وما توفره البرمجيات. وذكرت أنه من أهداف البرمجيات تأسيس جماعات افتراضية، وأنه يوجد أهداف بقدر عدد الجماعات، فمن أهداف شخصية عابرة كالتسلية والفضول والشعور بالوحدة، إلى أهداف دائمة وأهداف ضرورية.
وأشارت في النهاية إلى وجود خلل في التوافق بين التقنية والذهنية.
***
الكاتب المصري أسامة الألفي تحدث عن الحضارة التي ننشدها، وأوضح أن المشهد الثقافي العربي ممزق، وتساءل كيف يمكن للكاتب العربي إقامة حوار مع طرف قوي، حيث يتعرض الجانب الأضعف لاستلاب ثقافي.
وتحدث الألفي عن صورة المثقف الإسلامي، وأشار إلى أن التنوع الثقافي مطلوب، وأن الاختلاف الثقافي مفيد.
***
الكاتب التونسي محمد المي شارك بورقة عن عبقرية المكان رهان الحوار الحضاري، وأشار في بدايتها إلى قول العلامة حسن حسني عبدالوهاب في فاتحة كتابه الأشهر "خلاصة تاريخ تونس" التي يقول فيها "وإذا سرح الإنسان بصره في الخريطة يرى بين الأقاليم المحيطة بالبحر المتوسط بلادا صغيرة تقسم ذلك البحر إلى نصفين، وتشق حافاته ما بين الشرق والغرب على السوية. وتلك البلاد الصغيرة هي (إفريقية) قديما أو (القطر التونسي) من أول الدنيا مسلك الذاهبين، ومورد الوافدين، ونصبتها مطمحا لآمال الفاتحين."
ثم أشار محمد المي إلى حركة الترجمة في تونس وتاريخ الصحافة وتطورها. وقال "إن أول رهانات الحوار الحضاري أن نعرف نحن العرب آداب بعضنا معرفة جيدة ودقيقة ونكرس عقلية الاختلاف التي تسمح لنا بقبول الآخر والتحاور معه، وذلك عبر مسلكين أساسين الأول هو قيام حركة ترجمة عربية تستصفي الفكر التنويري العربي الإسلامي وتسعى إلى نشره."
وأضاف "والثاني هو قيام حركة نشر وتوزيع التي لن يكتب لها النجاح إلا بالتفكير في بعث مراكز ثقافية في البلدان الأوروبية تكون مهمتها الأساسية نشر جهود معهد العالم العربي بباريس، والتفكير في بعث معاهد مشابهة في مختلف الأقطار الأوروبية الأخرى."
ثم أضاف "أقول هذا وأنا شبه واع بأنني أوجه أصابع الاتهام إلينا نحن العرب، لأننا في موضع اتهام وفي وضعية لا نحسد عليها منذ أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 التي هزت صورة العرب والمسلمين في نظر الغرب."
***
الكاتب المصري د. مدحت الجيار كان آخر المتحدثين في تلك الجلسة، وقال في بداية ورقته "لم ينفصل الكاتب العربي عن حوار الثقافات منذ فتح باب الترجمة في العصر العباسي واستمر هذا الحوار إلى الآن. واستطاع الكاتب العربي أن يفيد من جميع ثقافات اللغات الحية، وأن يضيف إلى هويته مستويات أخرى أزادت من قدراته ووسعت من رؤيته العربية."
وأضاف "والآن بعد أن فرضت العولمة قوتها، ومكنتها التكنولوجيا من إلغاء حواجز الزمان والمكان والحدود السياسية، وبعد أن أصبحت القوة الاقتصادية جوهرا للضغوط وفرض الأمر الواقع بالقوة، والقوة المسلحة أحيانا، أصبح لزاما على الكاتب العربي أن يدخل من جديد إلى حوار الثقافات ليأخذ مكانته بين كتاب العالم."
وقال الجيار "إن نظرة على الخريطة السياسية والثقافية الآن تعكس لنا مدى الضغوط التي تمنع الكاتب العربي من إخراج كل منتجه كما يريد هو."
وأوضح أن الكاتب العربي الآن "يدخل معركة مزدوجة داخلية وخارجية؛ داخلية ليوسع من هامش الحريات ويحافظ على مكتسباته التي نالها بصعوبة خلال قرون خلت، وخارجية لا تسمح لها بالصعود والانتشار إلا إذا التزم بخصائص دولية تضعه تابعا لثقافة الآخر."
وأِشار إلى أن ليس للكاتب العربي بديل عن مواصلة المعركتين لأنهما متلازمتان يصب أحدهما في الآخر.
وينهي الجيار ورقته بقوله "نحتاج الآن إلى حوار ثقافي يحترمه الآخر حتى لو اختلف معه، بدل أن يشجع الآخر ثقافات مغلقة أو شاذة، من الممكن أن تشكل رؤيتنا للذات والعالم، ولن يحترمنا الآخر إلا حين نقوى بالعمل والمثابرة والاطلاع والانفتاح على كل جديد مهما تكن الهوة الزمنية والفنية بيننا وبينه."
***
جدير بالذكر أنه بين الجلستين الصباحية والمسائية زار المشاركون في أعمال مؤتمر الكاتب العربي وحوار الثقافات، محمية الزرانيق الطبيعية التي تقع في شمال سيناء، بنهاية الجزء الشرقي لبحيرة البردويل وتطل على البحر المتوسط، وتبلغ مساحتها 250 كيلومترا مربعا، وتتكون من 68% مسطحات مائية و32% كثبان رملية، ويصل ارتفاعها في أقصاه إلى 30 مترا فوق سطح البحر.
وأوضح العاملون في محمية الزرانيق أنه تم الإعلان عنها كمحمية طبيعية في عام 1985.
وتعود أهمية تلك المحمية إلى أنها منطقة هامة جدا بالنسبة لالآف الطيور المهاجرة، حيث تتوسط الطريق من وإلى قارتي أفريقية وأوروبا.
ويعيش بمحمية الزرانيق (جمع زرنوق أي زقاق) أكثر من 260 نوعا من الطيور المهاجرة، معظمها من الطيور المائية، بينما يصل عدد الطيور المقيمة إلى ثمانية أنواع فقط.
وتتجسد الأخطار التي تواجه المحمية حاليا في: صيد الطيور غير المقنن، والسياحة العشوائية، ومصنع الملح الذي قد يضر بالتوازن البيئي، وبعض استخدامات الأراضي مثل الصيد الجائر.
أما عن الخطة الموضوعة لحماية هذه المحمية الطبيعية التي قام المشاركون بتفقدها على الطبعية فهي: ترويج السياحة البيئية، وتنظيم صيد الطيور مع حظر صيد السمان، ووضع نشاطات مصنع الملح رهن السيطرة، وتحديد بعض المواقع ذات الغطاء النباتي، أو تلك التي تمثل أهمية عالية من حيث التنوع البيولوجي، وتنظيم الرعي داخل المحمية، وإتاحة علف جيد بأسعار مناسبة خارج المحمية، وعدم صرف مياه صرف الري في بحيرة البردويل.
ويضاف مشروع محمية الزرانيق إلى 28 مشروعا آخر تقوم به إدارة شئون البيئة التابعة لمحافظة شمال سيناء، منها: إنشاء الغابة الشجرية، وشارع البيئة، وردم البرك والمستنقعات بحي المساعيد، ومشروع ترعة السلام، وتحلية مياه آبار قرية الجفجافة وآبار الحسنة، ومعالجة مخلفات معاصر الزيتون، وغيرها من المشروعات البيئية التي تساعد إلى تنمية سيناء والهجرة إليها وتعميرها بالبشر الذين هم حائط الصد الحقيقي لأية محاولة هجومية أو حركة استفزازية تجئ من الجانب الشرق. |