العريش ـ من أحمد فضل شبلول
افتتح في العريش صباح السبت 2/6/2007 مؤتمر "الكاتب العربي وحوار الثقافات" المصاحب لاجتماع المكتب الدائم للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، والذي يستضيفه لأول مرة اتحاد كتاب مصر بعد عودة مقر الأمانة العامة للقاهرة وانتخاب الكاتب محمد سلماوي أمينا عاما، خلفا للدكتور علي عقلة عرسان.
وقد عقدت جلسة الافتتاح بقاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة سيناء وشارك فيها كل من: محمد سلماوي أمين عام المؤتمر، والدكتور محمود شريف رئيس الجامعة، والدكتور حسن راتب رئيس مجلس أمناء الجامعة، واللواء أحمد عبد الحميد محافظ شمال سيناء، وألقى كلمة الوفود العربية الدكتور عمر قدور (من السودان) وألقى كلمة الوفد الفلسطيني الشاعر الدكتور المتوكل طه.
وأكد سلماوي في كلمته أن الأدباء والكتاب العرب سيظلون الحصن المنيع أمام دعاوى التطبيع مع عدو يتحدث عن السلام، ويتصرف ضد تحقيق هذا السلام، كما أشار إلى معاناة الكاتب العربي الخاصة بمهنته فيما يتعلق بحرية التعبير وسطوة قوانين بالية سالبة للحريات بشكل عام. وأكد أن الأدباء والكتاب العرب ضد القمع في الداخل والخارج أيضا.
وأنهم سيقفون وقفة صمت احتجاجية لمدة دقيقة على الحدود المصرية الفلسطينية في رفح يوم الثلاثاء 5 يونيو/حزيران استجابة لمطلب أمين عام جامعة الدول العربية في ذكرى مرور أربعين عاما على احتلال الأراضي العربية في الخامس من يونيو/حزيران.
أما اللواء المحافظ أحمد عبدالحميد أحد المشاركين في معركة العبور في أكتوبر/تشرين الأول 1973 فأشار إلى أن اتحاد الكتاب اختار المكان المناسب لعقد مؤتمره واجتماعه على أرض سيناء.
وقال للأدباء والكتاب "شارك معنا بالأمس القريب الأشقاء العرب في معركة تحرير سيناء، واليوم تلتقون على أرضها كرموز شامخة للفكر المتجدد والتعبير الصادق عن إرادة وطموحات أبناء الوطن العربي الواحد."
وأضاف "لقد شهدت السنوات الأخيرة تطورات انعكست على مجالات إبداع الكتاب والأدباء والمفكرين من خلال حرية الرأي التي تنتشر في ربوع بلادنا ما جعل الساحة الثقافية والفكرية تعيش حالة حراك غير مسبوق، فلم يعد ممكنا أو مقبولا أن يجرم فكر، أو يحرم كاتب من التعبير عن آرائه وأفكاره طالما أنها تراعي مصلحة الوطن وقيمه ومعتقداته."
وقال في كلمته للأدباء والكتاب "في ظل هذه الحرية فإن هذا يلقي على حضراتكم بمسئولية عظيمة ويضع في أعناقكم أمانة كبرى، فمع الحرية تأتي المسئولية، وهي مسئولية وطنية وقومية، فأنتم ضمير الأمة بكم ترتقي ثقافتنا، وبفكركم وأقلامكم يتحقق الإبداع والتطوير والتوافق والانسجام بين مختلف التيارات الفكرية والثقافية."
تحدث بعد ذلك د. حسن راتب رئيس مجلس أمناء جامعة سيناء التي استضافت المؤتمر على أرض العريش الملقبة بأرض الفيروز، فشدد على أهمية المعرفة وطالب بمزيد منها، وتوجه بالتحية للأدباء والكتاب، وخاصة في تلك المرحلة التي نتحمل فيها أمورا عظاما.
وذكر أننا "نواجه ثقافات مختلفة، ولدينا أيضا ثقافات مختلفة نستطيع أن نواجه بها تلك الثقافات الأخرى، فنحن نعيش الآن قضية أمة ورسالة شعب."
وقال د. حسن راتب للأدباء والكتاب المشاركين في المؤتمر "ثرى هذه الأرض يحتفي بكم، وخطاكم على سيناء تثابون عليها."
وذكر أن منطقة المساعيد التي مررنا عليها مر عليها من قبل عمرو بن العاص أثناء فتح مصر، ونزل بها ليلة العيد، فأطلق عليها المسا عيد.
وتحدث د. حسن راتب عن قضية إعمار سيناء، حيث "لا يأتي هذا الإعمار إلا بأعمار البشر بها، وأن القضية الحقيقية في سيناء هي قضية تنمية حتى تحل المعادلة المختلة بين الأرض والسكان."
وفي كلمته تحدث الدكتور محمود شريف رئيس جامعة سيناء ووزير الإدارة المحلية السابق، عن أرض سيناء التي وجد بها آثار تعود إلى أكثر من 300 ألف عام، وأنها مهبط الرسالات السماوية، وأن كل عصر ترك هديته على أرض سيناء.
وقال "على طريق حورس أرحب بكم."
وأشار إلى أن كل فرعون كان اسمه حورس، وركز على تحتمس الثالث الذي طرد الهكسوس منذ أكثر من 3500 عام.
وقال "دائما يأتي الهكسوس وأمثالهم من الشرق."
وأضاف "طردنا الهكسوس الجدد في عام 1973 وسنطردهم من كل أرض عربية."
وأشار د. محمود شريف إلى أن سيناء كانت أرض النيل، حيث كان النيل يمتد إلى أرض سيناء من خلال الفرع البيلوزي، وكانت له عدة فروع في الدلتا لم يبق منها سوى فرعين هما رشيد ودمياط.
ويختم الشاعر د. المتوكل طه رئيس الوفد الفلسطيني تلك الجلسة الافتتاحية بكلمة عنوانها "أربعون عاما على الاحتلال" قال فيها:
السادة الحضور:
أربع ساعات في حافلة مكيفة وطريق لاهبة وماء بارد استغرقت رحلتنا من القاهرة إلى العريش، قطعنا فيها تاريخا مزدحما وجغرافيا مربكة، لم يكن فيها ذلك الفرعون القديم ساذجا عندما اجتاز هذه الصحراء ليصل إلى مجيدو في قلب فلسطين ليقطع على بلاد "فارس" أطماعها.
ولم يكن قطز أو عزالدين آيبك أو إقطاي شبانا طائشين عندما قرروا الذهاب إلى حطين لملاقاة الفرنجة وهزيمتهم، وكذلك فعل الفاطميون في مواجهتهم لأعدائهم وخصومهم في اجتياز هذه الصحراء.
هكذا كان منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا، لابد من قطع هذه الصحراء ليس لحماية مصر فحسب بل لحماية المنطقة. لا يمكن تجاوز التاريخ أو القفز على الجغرافيا حتى في عالم الهاي تك والصواريخ البالستية."
وأضاف المتوكل طه قائلا "إن ضرورة اجتياز هذه الصحراء واعتبار العريش بوابة للنصر والهزيمة هي قاعدة ثابتة، ما تزال قاعدة ثابتة، ما تزال تلح علينا حتى في ظل قوانين العولمة التي تضيق عوالم وأحلام الشعوب المقهورة والمغدورة، وتوسع من آفاق وأرباح الكارتلات الإمبريالية التي تتوحش يوما بعد يوم."
وأشار طه إلى أنه "في القرن الثاني عشر عبر آموري الأول، الملك الصليبي المتعطش للدم هذه المدينة ليحاصر "بلبيس" ويهزم "شاور". وفي القرن العشرين عبر الصهيوني هذه المدينة أيضا، ليكللنا بهزيمة ما تزال تتعمق فينا يوما بعد يوم."
وقال "أرأيتم كيف يتغير المشهد عندما نتخلى عن اجتياز المسافة ما بين العريش والقاهرة. أرأيتم عندما يعبر هذه المدينة الآخرون من الجهة الشرقية، وفي ظل هزيمة تُتوَّج ويُروَّج لها، فإن المقاومة توحد الناس. وإن تغوّلَ أعدائنا، وتبلور أصولياتهم الدينية والعلمانية على حد سواء، وفرضها علينا بالقوة، ليدفعنا جميعا شعوبا وأنظمة إلى إعادة تبصر وتقييم ونقد جديد."
وأضاف المتوكل طه "إن سياسات التفتيت والتزرير والعرقنة والطائفية والإثنية، لن تنجح إلا إذا قبلنا أو سوغنا أو بررنا أو أيقظنا أو صدقنا هذه الأكاذيب والمفتريات والضلالات. وإن الاستعاضة عن حروب التحرير بحروب الاقتتال الداخلي وصراعات الهوية لهو جزء من تعميق الهزيمة الجارفة والحارقة."
وأكد أن "الانحراط في اصطفافات، وخلق أجندات وأولويات غير حقيقية أو مفيدة، ولا مصلحة فيها، لهو إنجاح لخطط أعدائنا الذين لا يحتلوننا بقوة الحديد والنار فقط، وإنما بفرض الرؤية والمنهج، وحتى الاستخلاصات النهائية.؟
وقال "هنا في هذه المدينة، العريش، التي أقيمت يوما لتقي الجيوش والمسافرين حرارة الشمس وهجير الصحراء، لتعيدنا إلى قراءة ما مضى من أيام، وإلى استعارة القوانين الثابتة مرة أخرى."
وأضاف "هذه مدينة تعبر من جهة واحدة فقط، وهي بوابة لتغيير المشهد برمته. ومن يقرأ تاريخ أمتنا الماضي فإنه سيعرف بالتأكيد أن العريش ورفح ودير البلح، إنما هي مدن أقامها رجال لم تكن أمامهم خرائط كثيرة، بل كانت في قلوبهم إرادات ورؤى، عرفوا من خلالها أن القاهرة لن تكون آمنة إن لم تكن القدس كذلك، وأن مصر كلها لن تنعم بالسلام إن لم تكن الشام آمنة.
وأشار إلى أن هذا "مبدأ استراتيجي عرفه الفراعنة وثبته صلاح الدين وطبقه محمد علي وعرفه عبدالناصر."
وشدَّد المتوكل طه على أن "الجغرافيا عُقدة وعقيدة."
وأن "هناك أمكنة تفرض على أصحابها الارتقاء إلى ذراها، وليس العيش عليها فحسب."
ويشير المتوكل طه إلى مناسبة اجتماع الأدباء والكتاب العرب في العريش في الذكرى الأربعين لاحتلال الأراضي العربية قائلا "وفي هذه المناسبة، وفي هذا المكان، وبعد أربعين عاما من سقوط القدس، فإننا في فلسطين، ونحن ننظر إلى هذا الحضور؛ المثقفين والكتاب العرب الحاضرين وغير الحاضرين، فإننا نرفع الصوت عاليا والقلب والضمير والوجدان والجهد والعمل والكلمة النظيفة غير المأجورة أو المُغرَّبة: أننا لن نقبل الهزيمة، ولن نسمح لها بالانتصار، مهما طال الوقت، وتبدلت المواقع، وتداخل الأعداء والخصوم."
بعد ذلك رفعت الجلسة الافتتاحية، ويتوجه المشاركون والضيوف جميعا في زيارة تفقدية لجامعة سيناء وكلياتها ومراكز أبحاثها والتي لم يمض عام كامل على افتتاحها. |